السبت , فبراير 16 2019
الرئيسية / آراء ومواقف / رحيل النظام الشمولي هو الحل لفنزويلا/بقلم/د.ماجد السامرائي

رحيل النظام الشمولي هو الحل لفنزويلا/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

يبدو أن نتائج الأوضاع المضطربة في فنزويلا خلال العقد الأخير قد أدت إلى ما هو عليه اليوم من تعويم للسلطة السياسية في كاراكاس بين الرئيس نيكولا مادورو ورئيس البرلمان خوان غوايدو، الذي نصب نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد وسط تصعيد للانقسام الشعبي في الموقف من الخط السياسي الذي تبناه الرئيس الحالي وفاء لمعلمه الراحل هوغو شافيز الذي سيطر على الحكم بانتخابات شعبية إثر محاولته الانقلابية الفاشلة عام 1992 وإيداعه السجن لمدة سنتين، ولو كان مثل هذا الحادث قد حصل في واحد من بلداننا لكن مصير قائد الانقلاب الإعدام.تحركت واشنطن بسرعة لدعم الحركة الحالية لرئيس البرلمان، بل إن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس اتصل به قبل يوم واحد من إعلانه قرار الانقلاب السياسي على مادورو في ترتيبات سرية كانت واشنطن تعد لها للانقضاض على الحكم، وتغيير بوصلة التوجهات السياسية اليسارية البوليفيارية التي كانت موجهة ضد سياسات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية والعالم رغم ما حصل من تحولات في التخلي عن المنهج الثوري الشعبوي الذي لم يقدم الحلول لشعوب هذه المنطقة الحيوية من العالم والانفتاح على العالم الجديد.رغم الثروات الكبيرة التي تتوفر عليها فنزويلا إلا أن شعارات شافيز ومادورو لم تقدم الرفاه لهذا الشعب الذي تضاعفت مشكلاته المعيشية في الفقر والجوع وانهيار الاقتصاد، حيث انخفض إنتاج النفط إلى الثلث إلى جانب انخفاض أسعاره وتدني مستوى العملة المحلية وهروب ملايين الناس إلى الدول اللاتينية المجاورة ككولومبيا والبرازيل. حاولت الولايات المتحدة دعم المعارضة لنظام الحكم، وكانت خلف بعض المحاولات الانقلابية في عهدي شافيز ومادورو لأنها لم تغادر مقولة “فنزويلا الحديقة الخلفية لأميركا” رغم تراجع الحرب الباردة في العقدين الماضيين، وهي لا تقبل ظهور تيار سياسي مناوئ لسياساتها بعد قضائها على الاتحاد السوفييتي ومعسكره الكبير في أوروبا الشرقية، حيث طوقت كوبا فيديل كاسترو بحصار شامل لمدة خمسين عاما. كما لا تقبل التفريط بالنظام الديمقراطي الذي صنعته لفنزويلا منذ عدة عقود.واشنطن لم تعد صانعة للحكام الدكتاتوريين مثل بينوشيه في شيلي، أو شنها لحروب العصابات الممولة من قبلها كما حصل في دعمها للعصابات في نيكاراغوا التي كشفتها فضيحة “إيران غيت”، إلا أنها تعتبر حكم التيار البوليفياري قد انتهى عصره ولا بد من أن تزال مرتكزاته في فنزويلا التي أصبحت في السنوات الأخيرة حقلا للنشاطات الإيرانية ومرتكزا لروسيا الجديدة التي تنبعث كقطب مناوئ للولايات المتحدة، وكان على الولايات المتحدة تبني سياسات الخنق الاقتصادي والعقوبات كوسيلة جديدة نجحت في العراق رغم تعثرها حاليا ضد إيران.استطاعت واشنطن اللعب بالوضع الاقتصادي الفنزويلي من سنوات دون أن تحرق أصابعها من خلال هيمنتها على مؤسسة النفط “بيدافيزا” بشراء قياداتها لكن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تتمكن من اختراق المؤسسة العسكرية الفنزويلية التي ظلت موالية لشافيز ومن بعده مادورو، وفشلت جميع المحاولات الانقلابية ضد شافيز الذي اختار طريق المواجهة ضد الولايات المتحدة معتقدا، كما اعتقد غيره من الزعامات الراديكالية في المنطقة العربية، بأن طريق مواجهة الإمبريالية الأميركية ممكن من خلال الشعارات الرنانة، ولهذا تحالف شافيز، ومعلمه كاسترو، ومع أنظمة العراق وليبيا وخصوصا إيران التي حسبت نفسها زورا في المعسكر “المقاوم”.لقد وضع شافيز نفسه، ومن بعده مادورو، في موقع خصوم واشنطن، وكانت أمام الأخير عام 2013 فرصة انتهاج سياسة معتدلة تحقق الرفاه للشعب الفنزويلي خصوصا أن سوق نفط هذا البلد هو الولايات المتحدة، والعالم تغيرت فيه مراكز القوى وحتى معقل الحزب الشيوعي هافانا انتقل النظام فيه إلى طريق الانفتاح بعد رحيل كاسترو. فالقارة اللاتينية لم تعد قارة جيفارا أو كاسترو التي ارتبطت بنفوذ السوفييت المنقرض. صحيح أن موسكو اليوم، ومعها الصين، تحاول تقديم الدعم السياسي للنظام القائم في كاراكاس من خلال منع سيناريو عزل الرئيس الحالي عبر مجلس الأمن الدولي، لكنه يبقى دعما شكليا لأن روسيا منشغلة بمشكلاتها في محيطها القريب (القرم وأوكرانيا) وتدخلها العسكري في سوريا الذي يعطيها مردودات سريعة في عالم النفوذ، ولا يمكن مقارنتها بإمكانيات واشنطن المجاورة لفنزويلا رغم إخفاقاتها الكثيرة وعدم صدقها مع شعوب أميركا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط.فنزويلا الآن داخل قارب تتلاطمه الأمواج العاتية بين معارضة وصلت إلى موقع برلماني متقدم، وبين حاكم مستبد يعتقد أن شعارات دعم الفقراء ومعاداة أميركا وحدها كافية لتحصينه، وأن أداء رقصة “السالسا” على مسرح شعبي ووسط تجمع للشباب يمكن أن يوفر له حماية الكرسي، أو أن تتمكن إيران من حمايته وهي التي جعلت من حزب الله اللبناني أداتها الميدانية لتجارة المخدرات وتبييض الأموال والاستثمار في مناجم الذهب في فنزويلا وربطها بشبكات تمتد داخل الولايات المتحدة. أجهزة الاستخبارات الأميركية متابعة لهذا الملف منذ سنوات، ولم تعد تسمح بتواصل ممارسة هذه النشاطات الإيرانية الخطيرة في ظل حملة التطويق التي تنتهجها حاليا.إن رحيل النظام الفنزويلي الحالي سيكون يوما حزينا وأسود على طهران. إن تغيير النظام الحالي في فنزويلا لن يكون سلسا باعتبار تشبث مادورو بالكرسي واعتقاده أن المؤسسة العسكرية توفر له الحماية، رغم أن هذه المسألة قد تتبدل معطياتها بين لحظة وأخرى وسط تراجع مادورو عن خطوته بطرد الدبلوماسيين الأميركان واستعداده للحوار مع رئيس البرلمان المنتفض الذي سمى نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد. هناك عدة سيناريوهات ممكنة لكن أبعدها التدخل العسكري الأميركي، وسيناريو الحلول السياسية الذي تسعى إليه كل من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي قد يكون الأرجح، ومع ذلك فإن حل مشكلة فنزويلا يتطلب إقامة انتخابات جديدة حرة بإشراف الأمم المتحدة ورحيل حقبة الشخص الواحد والحزب الواحد وانتهاء حقبة الشعار الشعبوي الشمولي.

عن/صحيفة العرب اللندنية

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

الدولة العميقة في العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق الواقع السياسي العراقي ما زال مرتبكا بسبب تراكم المشكلات وتصاعدها خصوصاً المرتبطة بحياة المواطنين ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Amari Cooper Authentic Jersey 
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com