الخميس , فبراير 20 2020
الرئيسية / آراء ومواقف / عادل عبد المهدي: برنامجك الحكومي ليس انقاذيا/بقلم/د.ماجد السامرائي

عادل عبد المهدي: برنامجك الحكومي ليس انقاذيا/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

لن أتوقف عند مسألة ملء طاقم حكومة عادل عبدالمهدي وما أثير حول قصة الوزراء الذين تمت الموافقة عليهم من كلام كثير حولهم يتعلق باعتبارات شخصية ومهنية أحبطت الآمال، أو بإتمام القائمة بالوزراء الثمانية، فتلك الصفحة ستنتهي وفق قسمة التراضي وبذات نمطية الصفقات، حيث عرف الناس أن جميع المقدمات الإعلامية للأحزاب ولعادل عبدالمهدي كانت لتمرير سلس للمحاصصة، رغم أن الجمهور العراقي كان يتوقع من رئيس الوزراء الجديد أن يكون مستقلا وملبيا للرغبة الشعبية، لا لرغبات قادة الأحزاب ومن وراءهم، وكان بإمكانه أن يتحصن بالشعب لا بأحزاب أصبحت سمعتها سيئة عند الشعب.

في هذه السطور أريد تقديم ضوء خاطف وإطلالة سريعة ورأي موجز حول المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء الجديد. فقد قرأته برغبة وشعور إيجابيين بأن يكون هذا البرنامج خطوة إنقاذية لحالة العراق التي قال الكثير من أهله بأنها ميؤوس منها.

على المستوى الأكاديمي والعلمي يستند المنهاج والبرنامج على مقاييس لا غبار عليها في المقدمات والنتائج والحلول، ويشكل أطروحة ناجحة على المستوى النظري، ويبدو أن عبدالمهدي كان حريصاً بالدرجة الأولى على تحقيق هذه السمعة الطيبة، وكأنه خبير وعالم أكاديمي يقدم الحالة العراقية على طبق العلم الحديث، وليس قائدا سياسيا ومنقذاً وطنيا عليه مواجهة الأزمة وأسبابها وصناع الفشل وزعماء الفساد بقوة، ومصارحة الشعب بما حصل والمسببين الحقيقيين لذلك وعدم مجاملة من اختاره إن كان الهدف هو خدمة الشعب.

وهذا لم يحصل إلى حد الآن والمؤشرات الحالية للأسف لا تقود إلى ذلك. ولكي لا نضع التشاؤم عنوانا، فإن المقدمات السياسية للمنهاج والبرنامج الحكومي انطلقت من كون رئيس الوزراء ابن للعملية السياسية والمدافع الأمين على سلامتها وسلامة حكم الإسلام السياسي، رغم كل ما قدمته زعاماته من تخريب سياسي واقتصادي وأمني هائل وسمعة سيئة للعراق في الأوساط العالمية، فهو وغيره من قادة الأحزاب الشيعية، يعتقدون أن التغيير الذي حصل في هذا البلد يجب الدفاع عنه، مع مشاركتهم وعلمهم بأنها تجربة سياسية فاشلة حصلت بفعل الاحتلال الأميركي العسكري الذي يتبجحون بأن مبادئهم لا تقبله وبعض فصائلهم المسلحة تعلن هذه الأيام عن معاداته، لكن شعب العراق لا ينسى الأحداث المؤلمة التي حلّت به نتيجة تحالف غير مقدّس بين أحزاب الإسلام السياسي والاحتلال الأميركي والذي لم يكن هدفه الحقيقي إزاحة النظام المستبد، وإنما من أجل تحطيم الدولة العراقية وتفكيك المجتمع العراقي إلى شيع وطوائف، ولو كانوا صادقين في شعاراتهم لتضامنوا مع جميع مقاومي الاحتلال الأميركي بين أعوام 2003 و2011 لا أن يعتبروهم إرهابيين ويمزجون بينهم وبين داعش.

عادل عبدالمهدي لم يعلمنا في مقدمات برنامجه السياسي عما تحقق من عدالة وحقوق إنسان ومواطنة في العهد الجديد بعد 2003، هل هي في حالة الاحتراب الطائفي التي شجعها مسؤولون وحكام قبله، أم في المعتقلات والسجون التي ورثوها من المحتلين في بوكا وكروبر أو فضيحة سجن أبوغريب التي لم تتجرأ أي حكومة عراقية على مطالبة المحتلين الأميركان بحقوق العراقيين بعد أن أُدينوا في محاكم أميركية، أوفي المعتقلات والسجون السرية العراقية التي غُيب فيها الكثير من الأبرياء وما زالت مستمرة، ولا تتوفر فيها أدنى الخدمات الإنسانية، ولا نعرف القوى “الظلامية” التي يتخوف من عودتها البرنامج الحكومي لعادل عبدالمهدي، هل هي مجاميع الجهلة والمتخلفون الذين هيمنوا على وزارات الدولة العراقية وحولوها إلى مراكز لمافيات الفساد والرشوة وإهانة المواطن العراقي، أو الحالات البائسة للنازحين والمهجرين من المحافظات الغربية.

وحين يستعرض برنامج عبدالمهدي الواقع الخدمي البائس في العراق فهو يحيل أسبابه إلى العهد السابق، حتى أنه يضرب أمثلة كالجسور والطرق والمنشآت التي أنجزت في ذلك العهد ويعتقد أنها تقادمت وأصبحت عبئا على الدولة، ولم نجد تفسيرا عمليا لهذه الأوصاف والأحكام إلا أنها كتبت من قبل منظرين لديهم تجربة غنية في مراكز بحوث ودراسات مؤسساتية في واشنطن، ولم يذوقوا مرارة المحنة العراقية، فهل جسور بغداد وشوارعها التي لم تتجدد وقصورها التي بنيت في العهد السابق وأصبحت مقامات لأصحاب السلطة أصبحت عبئا، وإن كانت كذلك أليست مدة خمسة عشر عاما كانت كافية لإحلال بدائل عنها، وأين ذهبت مليارات الدولارات التي رصدت لذلك؟

 عبدالمهدي لا يستطيع تحقيق مثل هذه الخطوات والبلد الجار على أبواب حصار لا يفكه غير سوق العراق

وثيقة المنهاج والبرنامج الحكومي تتوزع إلى محاور خدمية واقتصادية وتنموية، ولا شك أن الخدمات هي المشكلة الأولى التي تواجه المواطنين في كل العراق والتي تتصاعد يوميا إلى درجة أن الناس يئسوا من احتمالات التغيير وتتلخص في “انعدام وشح خدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والنقص الحاد في الخدمات الصحية في المستشفيات وعدم توفر الدواء وتدهور التعليم من حيث المناهج ونقص المدارس حيث يفترش الطلبة الأرض في بنايات لا تليق حتى بالحيوانات” وكل ما قدمه البرنامج هو إكمال البنى التحتية وليس بناء 3000 مدرسة عام 2020، فأين البرنامج الإنقاذي لهذا القطاع؟

لا يجد القارئ للمنهاج أي خطوة فورية لإنقاذ أهل البصرة والموصل ومدن النزوح، وهل إن المخطط لتوفير 17 ساعة كهرباء عام 2022 هو حل إنقاذي لمشكلة الكهرباء في ظل تاريخ أسود بالنهب والسرقة، وهل احتمال إنجاز مستشفى صغير للطوارئ بسعة سبعين سريراً ملحق بمدينة الطب ببغداد على مدى سبع سنوات سيحقق إنجازا ثوريا في القطاع الصحي، علما بأن البرنامج الحكومي اعترف بتوقف غالبية المشاريع الصحية تحت القروض العالمية. وأين مشروع السكن اللائق للمواطنين وفق ما جاء بالأهداف العامة؟ وأين الضمان الصحي وحماية المرأة والشباب، وخدمة البطاقة التموينية التي حمت المواطنين من الجوع خلال سنوات الحصار في العهد السابق؟ أين الإجراءات الهادفة إلى توفير العيش الكريم للمواطنين؟ فبرنامج رئيس الوزراء لم يضع الحلول الإنقاذية السريعة في هذا الميدان.

وبعيدا عن العبارات النظرية الفضفاضة حول نقل الاقتصاد العراقي من اقتصاد الريع إلى اقتصاد السوق، فإن البرنامج الحكومي في مجال النفط يصادق على “جولات التراخيص” ويعززها بمشاريع أكثر إذلالا لمكانة الكوادر العراقية وقدرتها على إدارة هذا القطاع الحيوي. هل في برنامج رئيس الوزراء إجراءات سريعة للتحقيق في أسباب غلق وسرقة آلاف المعامل العراقية، ومئات شركات الإنتاج الزراعي التي بنيت في العهد السابق؟ ولماذا يستورد العراق الطماطم والبصل من إيران، وهناك إجراءات تتمكن من خلالها الدولة من حماية القطاعين الزراعي والصناعي من آفة النفوذ التجاري الإيراني؟ ولكن عبدالمهدي لا يستطيع تحقيق مثل هذه الخطوات والبلد الجار على أبواب حصار لا يفكه غير سوق العراق.

اعترف المنهاج الحكومي بالكارثة التي يعيشها الجهاز الحكومي المثقل بإفرازات البطالة والبيروقراطية، لكنه لم يعترف بحقيقة هيمنة الأحزاب على هذا الجهاز الذي تردت فيه القيم الإدارية وسادت الرشوة والمحاصصة الطائفية من أعلى الهرم إلى قاعدته، لكن رئيس الوزراء الجديد يترجى من الأحزاب المتورطة بالفساد والفشل أن تحقق الحدود الدنيا من التوافق حول الشفافية في فضح أخطبوط النهب والفساد، لأنه يخاف من قسوتها عليه وهي أولى خطوات الفشل.

لم تعد البرامج النظرية الجميلة قادرة على إرضاء العراقيين في وضعهم الحالي، فهم في حالة غضب جماعي ولن يرضيهم برنامج حكومي يمكن أن يكون أطروحة ناجحة في جامعة السربون أو أكسفورد، بل ترضيهم حكومة قوية نزيهة ورئيس وزراء قوي وشجاع وإجراءات إنقاذية حقيقية.

عن/جريدة العرب اللندنيية

 

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

الرابح من يقف مع وطنه/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق لا أحد في دول المنطقة يريد حربا بين واشنطن وطهران، كما لا يريد أي ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Amari Cooper Authentic Jersey 
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com