السبت , يونيو 23 2018
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / أول حكم ذاتي لأكراد العراق رفضته قيادتهم/بقلم/د.ماجد السامرائي

أول حكم ذاتي لأكراد العراق رفضته قيادتهم/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

من المفيد إنعاش الذاكرة السياسية العراقية القريبة ليس من أجل الاستذكار المناسباتي، وإنما لربط الماضي بالحاضر وتحدّي برنامج محو ذاكرة العراقيين وإضعاف الحسّ النقدي عند الناس لما يواجهونه من أزمات تتعمق يوما بعد يوم، ولكي يسهل على القائمين على شؤون الحكم تمرير ما يريدونه من برامج وسياسات ذات طابع طائفي سياسي يعتبرونها ملاذا للمجتمع العراقي، في حين تعمل تلك السياسات على هدم مقوّمات الوطن الواحد ذي التاريخ الطويل وقطع خطوط التاريخ بعد تشويهه أو إضفاء أحكام طائفية عليه.تشكّل القضية الكردية العراقية واحدة من أعقد المشكلات التي واجهتها حكومات العراق خلال أكثر من سبعة عقود. تداخلت فيها مصالح النفوذ الإقليمي والدولي بالوطني. ورغم أنّ النضال القومي للأكراد لا يفرّق في تلك الحقوق ما بين الكردي في سوريا أو تركيا أو إيران أو العراق، لكن تمّ اختيار أكراد العراق بسبب خصوصية قياداتهم السياسية لتصبح ميدانا لتلك المصالح في مواجهة حكومات العراق وعهوده السابقة في استخدام سياسي مقصود ومبرمج تم مزجه بالمطالبات السياسية للحركة الوطنية العراقية من أجل الديمقراطية والحرية.ولأنّ القضية الكردية تستعيد أزمتها مجدّدا بعد قرابة الثلاثين عاما من عصر الرخاء الكردي، فمن المفيد استعادة بعض فصولها في ميدان الحقوق القومية، ليس من باب تبرير سياسات نظام العهود السابقة تجاه الأكراد، ولكن لتوضع الأحداث في سياقها الوطني والتاريخي الصحيح البعيد عن النزعات القومية الشوفينية أو الطائفية.قضية الأكراد لم ينظر إلى أهميتها من الناحية الحقوقية، كون الأكراد يوزعون على أربع دول مهمة في المنطقة ولكن للأهمية الجيوسياسية الإستراتيجية والاقتصادية خصوصا بوجود النفط في العراق، إضافة إلى كون هذا البلد مرشّحا للاشتعال بين فترة وأخرى بسبب وجود عوامل لخلق صراعات قومية ودينية وبمشاكل إثنية وعرقية غير قليلة تؤثر على دول المنطقة وعلى المصالح الإقليمية والدولية.وهناك فصل مهمّ في تاريخ العلاقة بين القيادات الكردية في العراق وحكومات المركز يقع زمنه بعد استلام حزب البعث للحكم في يوليو 1968 وشروع قيادته في الحوار مع القيادات الكردية (مصطفى البارزاني ومسعود البارزاني إلى جانب جلال الطالباني والزعامات الكردية المستقلة).جاءت الحوارات بعد فترات طويلة من الصراع المسلّح، وكان الغرض منها الوصول إلى حلول تلبّي الرغبات الكردية في السلام وحقوق المواطنة الاجتماعية والقومية في ظل الوطن العراقي. وتجاوب الزعيم الكردي الراحل مصطفى البارزاني مع القيادة البعثية في ذلك الوقت، ولم يكن للزعامة الكردية مطالب أكثر من حكم ذاتي يؤمّن للأكراد واقعا سلميا جديدا، رغم أن بواطن الأهداف الأخرى ومن بينها حلم “الدولة الكردية” لم تطرح في حواراتهم.ولم يكشفوا علاقاتهم الإقليمية مع نظام شاه إيران، ومن بعده نظام ولاية الفقيه أو إسرائيل، فقدّمت الحكومة العراقية في ذلك الوقت مشروعا استثنائيا للحكم الذاتي يتحدث عن بعض أسراره أحد الزعماء الأكراد المخضرمين، وهو محمود عثمان، الذي كان رفيقا لمصطفى البارزاني وطبيبه الخاص وشاركه في زياراته إلى إسرائيل.يعترف عثمان بأن علاقة القيادة البارزانية بإسرائيل بدأت منذ عام 1963 من خلال إيران حيث كانت علاقة شاه إيران مع إسرائيل قوية جدا. وكانت إيران مهتمة بدخول إسرائيل للقضية ليفرض الشاه نفوذه على الثورة الكردية.يقول عثمان عن مباحثاتهم مع حكومة بغداد “تم تشكيل الوفد الكردي للمفاوضات برئاستي وتحاورنا إلى أن توصلنا إلى بيان 11 مارس 1970. هدف البعثيين كان احتواء القضية الكردية، فيما كان هدفنا تحقيق مطالبنا، حدث خلاف بيننا بسبب الفترة الانتقالية حيث اقترحوا أن تكون فترة التطبيق ثماني سنوات ونحن طالبنا بالشروع الفوري لعدم ثقتنا بالحكومات العراقية، فتدخل السوفييت واقترحوا مدة أربع سنوات”.ويبدو أنه لأول مرّة توضع قواعد للحل السلمي للقضية الكردية عبر ذلك البيان، لكن إيران لم تكن مرتاحة من تثبيت بعض الحقوق الكردية خصوصا أن العلاقات الإيرانية – العراقية كانت على درجة عالية من التوتر.والقيادة البارزانية، وبسبب خضوعها للغير، لم تكن جدّية في قبول هذا الانجاز القومي للشعب الكردي، فعمدت إلى التسويف واختلاق المشاكل رغم رغبة الكثير من الزعامات الكردية التفاعل مع هذا الإنجاز ودخل الكثير منهم بغداد واستلموا حقائب وزارية ومناصب في حكومة بغداد خصوصا خلال فترة إعلان ميثاق الجبهة الوطنية في العام 1974، ومشاركة الحزب الشيوعي العراقي فيها.استمر النظام العراقي في تبنّيه لمشروع “الحكم الذاتي” حيث أعلنه من طرف واحد عام 1974 محاولا تجاوز قيادة البارزاني والطالباني، معتقدا أنه قادر على مخاطبة الشعب الكردي مباشرة. لكن ذلك الإعلان لم يتضمّن كركوك التي أصر مصطفى البارزاني على أن تكون ضمن جغرافية ذلك الحكم الذاتي باعتبارها الكنز الذهبي، ما دفعه إلى إعلان فضّ شراكته مع الحكومة وذهابه إلى الصراع المسلّح الذي أدمى هذا الشعب طويلا.لم تتوقف تلك الحركة المسلّحة لحين اتفاق نظام الشاه مع بغداد في اتفاقية الجزائر عام 1975 حيث باع الأكراد مقابل مصالحه ومصالح أوليائه (أميركا وإسرائيل). وجرى استثمار دولي وإقليمي واسع للقضية الكردية في العراق ضمن لعبة التوظيف السياسي لخلق الأزمات في العراق، وليس إيمانا بالحقوق القومية للأكراد في تقرير المصير.يقول الباحث العراقي عبدالحسين شعبان “حتى وقت قريب كانت برامج معظم الأحزاب السياسية القومية العربية تخلو من تحديد واضح للمسألة القومية الكردية في العراق خصوصا عندما تكون قريبة من مواقع السلطة، ولم ينظر التيار الإسلامي، بشقيه، إلى المسألة القومية الكردية باعتبارها أحد أركان مشكلة الحكم في العراق. ولهذا لم يبلور حلا واضحا بخصوصها سوى الدعوة إلى المساواة من زاوية هي أقرب إلى الأخلاق منها إلى السياسة. وإذا كان اليوم قد جرى تأكيد شعار الحكم الذاتي وفي ما بعد ‘قبول الفيدرالية’ إرغاماً أو اقتناعا جزئيا في برامج وأنشطة مشتركة خصوصاً مع الأحزاب الكردية، فإن هذه القوى والأحزاب تختلف إلى حدود غير قليلة حول مضمون ودلالات هذا الشعار وما يشمله”.كانت فرصة الشعب الكردي في العراق ذهبية في قبولها ذلك المشروع منذ عامي 1970 و1974، لكن القيادات المهيمنة على الأكراد وضعت نفسها في مأزقها التاريخي كورقة بيد الأميركان، ومصالح النفوذ الكبرى ولم تتمكن من تحرير إرادتها السياسية، وهي اليوم تجني ثمار ذلك الارتهان الذي دفع ثمنه الشعب الكردي، وقد تخلّى الأميركان عنه مثلما تخلى في السابق وكيله شاه إيران.

عن/جريدة العرب اللندنية/2-3-2018

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

قصة سد ” أليسو ” المحزنة/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق وأخيرا اشتعلت أزمة المياه بين تركيا والعراق، وكأنها ثورة بركان مفاجئ وهي ليست كذلك، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com