الأحد , أغسطس 19 2018
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / بأية وطنية يتحدث العراقيون ؟/بقلم/د.ماجد السامرائي

بأية وطنية يتحدث العراقيون ؟/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

تزاحم شعار “الوطنية” بالشعار القومي العروبي في المنطقة، وفي العراق بصورة خاصة. ففي التاريخ العراقي القريب كانت الوطنية في نظر الشيوعيين تعني”وطنا حرا وشعبا سعيدا” استجابة للنداء الماركسي الليني. وتنافس الشيوعيون مع القوميين العرب في من هو أكثر تعبيرا عن هموم العراقيين، لكنها كانت شعارات من أجل الكسب الشعبي.

في أواسط سبعينات القرن الماضي أتذكر أنه أتيحت لي الفرصة لجلسة فلاحية في ناحية الدوّاية في محافظة الناصرية جنوب العراق، تحدث خلالها أحد الفلاحين عن دلالة الشعارات وربطها بهموم الواقع، قال ذلك الفلاح البسيط “كان أحد الكوادر الحزبية الشيوعية يخطب بنا ويوعدنا بمستقبل باهر إذا ما حكم الشيوعيون وقال لنا: نحن نريد أن يكون لكل فلاح بيت وسيارة وماكنة زراعية. فرددت عليه وأنا ألوّح له بكيس التبغ الصغير الفارغ أنا أريد اليوم أن تملأ لي كيسي هذا تبغا وخذ البيت والسيارة لك”.

حملت هذه الكلمات دلالة بليغة من مواطن بسيط على خواء الشعارات السياسية “الوطنية” في ظل الواقع المأساوي من الفقر والجوع الذي استمر بين المدّ والجزر منذ أكثر من خمسين عاما وصولا إلى الوقت الحاضر، وفيه تضاف إلى تلك الأعباء أزمة إلى غياب الأمن.

العراقيون موصوفون تاريخيا بتشبثهم وتمسكهم بأرضهم ووطنهم، ولم تعرف عنهم قبل ربع قرن الهجرة كما هو حال أشقائهم من اللبنانيين أو السوريين، وهي واحدة من علامات الانفتاح لأولئك العرب، لكن بعد الحروب والأزمات السياسية التي حلّت بالعراق حصلت سلسلة الهجرات.

ومن المفارقة أن نجد معدلات اللجوء إلى الولايات المتحدة الأميركية تضاعفت المئات من المرات بعد غزوها للعراق عام 2003 والتي كان من المفترض أنها جاءتهم بنظام ديمقراطي يشيع الحرية والرخاء والرفاه بعد نظام موصوف بالدكتاتورية.

لكن الحلقة الأخيرة من الهجرات السياسية المفروضة دفعت وبصورة مبرمجة ومقصودة لرحيل العصب الرئيسي الحي من المجتمع وهم نخب العلماء والمفكرين والأطباء والمهندسين والأدباء والفنانين لتستفيد منهم الدول المستقبلة وليساهموا في خدمة مجتمعاتها.

غادر أصحاب تلك العقول بلدهم وحملوا “وطنيتهم المغدورة” في ضمائرهم المجروحة مع ذكرياتهم الجميلة. ومن تولى الحكم من أحزاب الإسلام السياسي لم يقدم مشروعا تنمويا بشريا وماديا يتطلب استدعاء هؤلاء بسرعة للبناء لأن وجودهم سيطرد الجهلاء.

فماذا تعني الوطنية بعد ذلك سوى يافطات وعناوين لأحزاب تسعى لتجديد بقائها في السلطة على أكوام من “قش” الجهل والطائفية تطرد العالم والمفكر والطبيب والمهندس والفنان حيث لا مكان لهم في قاطرة التعصب والتطرف والكراهية وخداع الناس، وحيث تصبح “الوطنية” شعارا يقصد به الفرز بين المؤيدين للأحزاب الطائفية والمعادين لها، وتختصر “الوطنية” بالطائفة أو العشيرة أو العرق. ليحصل التناقض الصارخ ما بين استذكار الحضارة والتاريخ وما بين الاستسلام للواقع المر.

والتساؤل الكبير: لماذا ينقطع هذا الحبل الممتد في حياة العراقيين للنمو والتطور والإمساك بحلقات العلم والتكنولوجيا وهم أجدر به لخصوصية إنسانهم وامتلاكهم لقاعدة الثروات الهائلة، لكنه ينتزع منهم اليوم في خضم غياب الدولة والقانون والعدالة حيث تتحول وزارات الحكومة إلى إقطاعيات للأحزاب تتقاسم النهب والسرقة وليس التنافس من أجل الإنجاز، وليصبح العراق عاشر دولة في تسلسل الفساد في العالم.

بالطبع تصعب المقارنة بين حاضر العراق المعتم المؤلم بسبب قادته وسياسييه الحاليين وبين نماذج راقية من الدول في المنطقة لديها ذات العوامل المشتركة في الدين والقومية واللغة، كالإمارات التي أصبحت مثالا يضرب بالتطور المدني والحضاري العالي. السؤال: أليست هي حالة الوطنية الممزوجة بحب الوطن وبالقدرة على إمساك عناصر المستقبل؟

الوطنية عند أهل الإمارات ليست شعارا استهلاكيا يغلق العقول ويحجرها، إنما هي تنشيط لجميع مفاصل الحياة والمستقبل عن طريق الإيمان بالعمل المخلص الصادق. تفصيلات التطور في هذا البلد المفخرة مبهرة ففي كل مرة تزور هذا البلد حتى بفواصل الشهور تجد لمسة حضارية مضافة، ومثلا تنتقل نظرية حكومة “التكنوقراط” إلى الحكومة الإلكترونية في دبي مثلا، وهناك سياسة منفتحة على العقل العربي لاستقطابه في هذه النهضة الرائعة.

فأي “وطنية” هذه التي يفتخرون بها في العراق، وهم غارقون في الجهل والتخلف والنزاعات الطائفية؟

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

ايران تجدد الطائفية السياسية في العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق أثار التحالف بين سائرون والفتح الذي أعلنه الصدر وهادي العامري الكثير من الجدل والاستغراب ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com