الجمعة , ديسمبر 15 2017
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / بيروت تقاوم اختطافها من الأغراب/بقلم/د.ماجد السامرائي

بيروت تقاوم اختطافها من الأغراب/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

لم يخطئوا من قالوا إن لبنان هو رئة العرب التي يتنفسون بها، فقد كان كذلك منذ عصر النهضة ونمو التيار القومي في الشرق العربي. كانت بيروت حديقة المعتقل للسياسيين الرافضين لسياسات الأنظمة المستبدة، يتنفسون من نسيمها وشمسها وأهلها المتحضرين القليل من الحرية المفقودة، كانت ملاذا للكثيرين من المناضلين البعثيين والقوميين العراقيين ونخبهم المثقفة منذ أوائل خمسينات القرن الماضي، وبخصوصيتها في الاعتدال كانت تنافس دمشق والقاهرة، فقد أرست أولى معالم الديمقراطية الحديثة.

حافظت هذه العاصمة العربية على تلك المثالية رغم مرورها بأعنف هجمة للعنف والحرب الأهلية الطائفية أوائل ثمانينات القرن الماضي، ورغم ذلك لم يخضع اللبنانيون للعبة القذرة وقدموا ضحايا من شبابهم من أجل وحدة لبنان ووجهه العربي.كان إصرار اللبناني على المقاومة من أجل الحياة أسطورة خالدة، وحين تعذر على بيروت متابعة فعالياتها في الإبداع على سطح الأرض لأنه كان يحترق بنيران الحقد والكراهية وتدمير كل ما هو حضاري، كان التحدي من تحت الأرض حيث ظلت فعاليات الثقافة والفنون والموسيقى تتدفق بالحياة. أتذكر في أوائل الثمانينات استقبلت واجتمعت في بغداد بالراحل الفنان الموسيقي وليد غلمية للمشاورة حول إنتاج اللحن الموسيقي للنشيد الوطني العراقي واتفقنا تساءلت منه كيف سينفذ هذا العمل الكبير قال “لدينا استوديوهات في بيروت تحت الأرض” وفعلا تم إنجاز ذلك.ظلت بيروت مركز الاعتدال السياسي والديني والمذهبي حتى في ظل المعادلة الطائفية التي زرعت في هذا البلد بفعل التدخلات الخارجية وخربت نسيجه الاجتماعي. احتضنت بيروت أول مؤتمر جدي للمعارضة العراقية عام 1991 لإخراج تلك المعارضة من الاستقطابين الإيراني والسعودي قبل أن تخطفها أميركا وتنقلها إلى لندن ضمن لعبة أكبر مما تخيله المعارضون أنفسهم تمهيدا لغزو العراق العسكري واحتلاله عام 2003.تنوعت أشكال لعبة نقل لبنان وخطفه من هذه الخصوصية النادرة في العالم العربي سياسيا وعسكريا سواء في الاجتياح العسكري الإسرائيلي عام 1982 بعد انتهاء وهج الحرب الأهلية تمهيدا لإنتاج حزب الله كتعبير عن مقاومة الاحتلال بديلا مفروضا من طهران لحركة أمل بسبب التزامها بالخط العروبي، أو في المقدمات التي زرعها نظام حافظ الأسد لإباحة احتلال لبنان السياسي والعسكري لمدة 29 عاما تحت عنوان حمايته، ولم يخرج إلا تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي 1559 بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، علما بأن الحماية الحقيقية للبنان تحققت عام 1989 في مؤتمر الطائف بالسعودية الذي أرسى معالم وتقنيات المصالحة الحقيقية بين الأطراف السياسية في لبنان، وحين تمرّد القائد العسكري ميشيل عون الرئيس اللبناني الحالي على هيمنة نظام حافظ الأسد حصل في حينه على دعم لوجستي من نظام صدام حسين خصم النظام السوري، لكن ذلك لم يحمه من فشل مشروعه وتم إقصاؤه عسكريا وسياسيا في 13 أكتوبر 1990 ثم هروبه إلى السفارة الفرنسية ببيروت وتسفيره ضمن الحماية الفرنسية إلى باريس بتاريخ 28 أغسطس 1991.تاريخيا كانت متطلبات اللعبة من أجل ضمان تبعية لبنان لإيران تدعو إلى أن يحل حزب الله محل المقاومة الفلسطينية بعد ترحيلها إلى تونس، وأن يكون وحده رمز المقاومة والممانعة وأن يحتكرها لنفسه، وأن يقتل مركز الاعتدال والعروبة داخل المنظومة الطائفية الشيعية في لبنان التي مثلتها بوقت مبكر حركة أمل بقيادة نبيه بري الوريث الحقيقي لقيادة موسى الصدر رمز التشيع العربي في لبنان الذي غيّب في صفقة لم تكشف لحد الآن، وكذلك مؤسس حزب الله الراحل محمد فضل الله الذي نقمت عليه إيران لأنه رفض الخضوع لولاية الفقيه، إضافة إلى تجمعات ومراجع ورموز لها وزنها في الوسط الشيعي العربي. ولعل الصراع مازال مستمرا بين حسن نصرالله ونبيه بري حول الاعتدال وعروبة لبنان في معادلة قلقلة لها تاريخ مشحون بلعبة الشارع الشيعي في لبنان، فنبيه بري ظل دائما يحمل راية الاستقلالية والوسطية والانتماء العروبي رغم خضوعه لابتزاز حزب الله.هناك صراع سياسي حقيقي وجدّي مستمر داخل المنظومة الشيعية في كل من لبنان والعراق ما بين الاعتدال والانتماء العروبي وبين التطرف والانتماء لإيران.معسكر الاعتدال الشيعي في لبنان يتناغم مع نظيره في العراق، المتمثل بمقتدى الصدر وبمواقف جريئة نامية لحيدر العبادي، حيث يحاول اليوم حزب الله وقائده منع نموه والتغطية عليه بتسويق انتصار اللبنانيين على العدو الإسرائيلي لنفسه. علما أن هذا الحدث مر عليه 11 عاما والفضل فيه يعود لكل اللبنانيين وبينهم مقاتلو حركة أمل الشيعية وليس لحزب الله وحده، رغم أن نغمة الحرب على إسرائيل قد خف بريقها بعد هدوء جبهات الجنوب وبقائها للمناورة السياسية، وبعد دخول المنطقة في معطيات جديدة، وبعد انتقال وجهة حزب الله في معاركه خارج لبنان في مشاريع طائفية لا تمت بمصالح لبنان بصلة حيث رتبت ونفذت عمليات مسلحة مازالت قائمة وتحت أغطية محاربة الإرهاب أو “التكفيريين” ويقصد بهم أبناء العرب السنة الحطب الحقيقي للحرب على داعش في مناطق عربية إستراتيجية كالعراق وسوريا، ونتائجها الكارثية تهجير الملايين من أراضيهم وأوطانهم ولدت معاناة أقسى من حال الفلسطينيين، أو في الانتقال اللوجستي إلى مناطق بعيدة كاليمن لخدمة محور أجنبي ضد عربي بغض النظر عن جدّية هذه الحرب من عدمها.بعد عودة ميشال عون من باريس إلى بيروت في 7 مايو 2005 دخل لعبة النفوذ الإيراني بعد أن قرأ سطورها الجديدة: إذا حلمتَ بمستقبلك السياسي ومستقبل مسيحيي لبنان عليك عقد اتفاقية شيعية مسيحية بقيادة حزب الله ضد السنة ومن خلفهم العرب، رغم أن عون لا يمثل جميع مسيحيي لبنان، وهناك قطاع مسيحي واسع خارج هذه اللعبة، ولأن حلم الرئاسة ظل مخزونا في رأس عون يراوده في كل لحظة، فقد اهتدى إلى الإجابة وقبل شروطها في الضاحية الجنوبية، وقبل مشروع التسوية الذي طرحته القوى اللبنانية بدعم سعودي حيث وصل إلى حلمه في قصر بعبدا ودخل شوطا قلقا بين التزاماته تجاه طهران ووكيلها في لبنان، وبين التزاماته القومية تجاه العرب بما يحمي اللبنانيين وحقوقهم. وسيظل هذا التبدل بالمواقف مرافقا لعون الرئيس حتى في أزمة حكومة سعد الحريري الأخيرة، لأنه يشعر بوفائه لطرف واحد ساعده في الوصول إلى حلمه الشخصي على حساب الطرف الثاني، لكن هذا الوفاء الأحادي سيكون ثمنه غاليا خلال الأيام المقبلة حين تحين ساعة الخيار بين اعتدال لبنان ووسطيته ونأيه بنفسه عن محيطه الملتهب في المنطقة، أو ضياعه في انحياز خاسر على مشروع إيران في المنطقة ودخول لبنان في حالة من الاضطراب لا يستحقه أهله.رغم مرارة تجربة الحكم الطائفي في لبنان، وهو البلد الأصلح والأكثر قدرة على ممارسة الديمقراطية المدنية الحديثة وانتقال عدواها إلى العراق، لكن اللبنانيين بفعل نضجهم السياسي حافظوا على معايير سليمة للديمقراطية أساسها حبهم لبلدهم أولا، وإصرارهم على عدم بيع هويتهم الوطنية والعروبية، وتشبثهم بالحفاظ على مواردهم البشرية والمالية من الضياع، وتمتعهم بحدود حضارية عالية من الحوار السياسي بعد التخلي عن تجربة “البندقية المأجورة” وأثبتوا قدرتهم على الخروج من المحن والأزمات أكثر قوة ومنعة، لكنهم اليوم يمرون بمفترق طرق بين التسليم بغياب الهوية والوطنية والعروبة والسلام، وبين التصدي لجميع مشاريع اختطاف بيروت لبنان نحو المجهول عبر وضعه في عاصفة الأزمات إرضاء لمشاريع تقسيمية طائفية، تبدأ بلبنان مرورا بسوريا والعراق وانتهاء بالبحرين.صحيح أن حالة الانكسار والتشرذم في المنطقة العربية تعكس بتأثيرها السلبي على الداخل اللبناني، لكن أهل هذا البلد العربي قادرون على مقاومة جميع أشكال اختطاف بيروت من قبل الأغراب.

عن/جريدة العرب اللندنية

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

بغداد وعدن.. قبل الحوثيين وبعدهم/بقلم/رشيد الخيون

المشرق تعود بنا الذَّاكرة إلى ما قبل الوحدة اليمنية (1990)، حيث وجود عدن وصنعاء كعاصمتين ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com