السبت , أغسطس 18 2018
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / ثورة الفاشلين في الانتخابات العراقية/بقلم/د.ماجد السامرائي

ثورة الفاشلين في الانتخابات العراقية/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

ما يحصل الآن من فضائح إعلامية حول الانتخابات العراقية الأخيرة لا يخرج عن سياق تكرر في الدورات الثلاث السابقة في عمليات التزوير، لكن ما استجد هو دخول المكننة الالكترونية المعروفة عالميا بدقتها في عمليات التصويت والفرز، وقد نبّهنا وغيرنا كثر بأن مافيات التزوير بارعة وقادرة على التلاؤم مع هذا التطور التكنولوجي بشراء وبيع الأصوات أمام واقع مفوضية الانتخابات المخزي، في خضوعها لإرادات الأحزاب المهيمنة رغم المطالبات بأن تتحرر هذه المفوضية من سطوة المحاصصة الطائفية، لكن رئيس البرلمان سليم الجبوري مرّر بقاء المفوضية على حالها قبل موعد الانتخابات وأكل طعمها في خسارته الأخيرة، وأصبح من المنادين بأن التزوير سبب تلك الخسارة، وانضم إلى ثورة الخاسرين في الانتخابات المطالبين بإعادة الفرز لقطاع كبير من المراكز الانتخابية.

القابلون بالنتائج الأخيرة هم الفائزون، ولكن عدد الفاشلين الذين تجاوزوا 129 نائبا حاليا إلى جانب عدد كبير من الذين جربوا حظوظهم لأول مرة وحصل اثني عشر منهم على صفر من الأصوات، ينظمون الآن حركة احتجاج خارج البرلمان وداخله، لكنهم لم ينجحوا لحد الآن في عقد جلسة نظامية ذات نصاب قانوني لثلاث مرات لفتح الحساب مع المفوضية، مطالبين بإحالة أعضائها إلى القضاء والإصرار على خياري إعادة الانتخابات العامة أو إبطال انتخابات الخارج ومناطق المحافظات التي تحررت من داعش مثل صلاح الدين والموصل والأنبار وديالى وكركوك التي تكتسب أهمية خاصة، إلى جانب مطالبة الكتل الكردية الصغيرة كالتغيير وجماعات إسلامية أخرى لمواجهة الإرباك الذي أفرزه فوز الحزبين الكرديين (الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني).

وقد انضم رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى حالة الضجر مما حصل في الانتخابات بعد أن قدّم له جهاز المخابرات العراقي تقريرا كشف فيه قيامه بتجربة اختراق للمنظومات الالكترونية، ولا ندري لماذا تم ذلك قبل يوم واحد، ولماذا يقدّم قبل ذلك بساعات لتغيير موعد الانتخابات لحين إصلاح ذلك الخلل. وكأسلوب في التهدئة شكّل رئيس الوزراء لجنة تحقيق لمراجعة جميع الاختراقات وتقديمها إلى المحكمة الاتحادية العليا.

وقد عجّت بعض الفضائيات العراقية خلال الأيام القليلة الماضية بعروض أشبه بالمسلسلات الرمضانية لفضائح في التزوير وعمليات إزاحة فائزين وإحلال آخرين لقاء مبالغ كبيرة للمقعد الواحد، وظهر هؤلاء الخاسرين بأبهى الملابس وبوجوه لامعة، فيما غطي التعب وجوه المنكوبين الباحثين عن جثة لابن أو أخ أو أم ما زالوا تحت الأنقاض في مدينة الموصل مثلا.

وعزز بعض الخاسرين ثورته باجتماعات سرية حضرها في الفندق الفخم الذي يمتلكه بعاصمة عربية مجاورة تمت خلالها تلك الصفقات المريبة مع أحد أعضاء مفوضية الانتخابات، فيما طالب آخرون باسترداد المبالغ التي صرفوها على الحملات الدعائية، ووصلت الاحتجاجات إلى تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة من قبل 100 نائب بينهم رئيس البرلمان الحالي.

لا شك أن هناك بعض الخاسرين في هذه الانتخابات وهم قلّة أزيحت لصالح آخرين، ولكن الأغلبية كان لا بد من إزاحتهم، لكن دوافع هذه “الثورة” ليست الخسارة الفردية فقط، وإنما هناك مصالح لبعض الكتل التي خسرت مواقعها القديمة ككتلة “دولة القانون” التي رأت في تقدّم قائمة “سائرون” التي يتزعمها الصدر فرصة لانحسار المشروع الذي دمّر البلد، ومواجهة ملامح التحول البسيط في مقدمات مشروع التغيير، ولهذا فإن إرباك مشهد الحوارات الحالية لتسمية الكتلة الأكبر سيضغط باتجاه قبول مساومات الكتل المدعومة من إيران لمنع حصول زخم الاستقلالية العراقية، وهذا مما دفع مقتدى الصدر إلى توجيه رسائل تهدئة إلى الجارة إيران، وإلى قبول مبدأ مشاركة جميع الفائزين في الحكومة المقبلة، أو قوله “خذوا المناصب وأعطوني الوطن” وهي حالة قد تعرقل إمكانية التحكم والإدارة لدعاة ثورة الإصلاح الجذري في البلاد.

الانتخابات الأخيرة لم تُزح إلا نفراً قليلا من الفاشلين والفاسدين من داخل الكتل الكبيرة، وقد تكون زعامات هذه الأحزاب هي التي قدّمت هذه “الفدية” لإبعاد الشبهات عنها لصالح بقائها، وتنتظر خمود وبرود الاندفاع الشعبوي الذي قاده الصدر في لحظات فوز كتلته لكي يتم العمل الهادئ الذي تقف خلفه إيران ببرودة أعصابها وبدهاء ممثلها قاسم سليماني للوصول إلى قسمة ترضي طموح الصدر في دعواته للإصلاح، بل وتشجعه على ذلك ولأنها تعرف بأن هذه العموميات لن تزيح النفوذ الإيراني، كما تعتقد أنه بالإمكان ترويض الفارس الجامح بهدوء. لتقول للصدر “نعم نحن معك في التغيير والإصلاح وحتى حكومة التكنوقراط، أو إبعاد المالكي أو العامري عن رئاسة الوزارة ومجيء العبادي كحل وسط دون شروط إخراجه من حزب الدعوة، لكن الخط الأحمر هو تحجيم دورنا والتماهي مع الحملة الأميركية الحالية لإزاحتنا من العراق”.

ذلك أن سقوط بعض الفاشلين في الانتخابات والإحجام الهائل من الناس بنسبة تصل إلى 19 بالمئة وليست نسبة 44.5 بالمئة التي أعلنتها المفوضية قد تخفف من جموح قوى الفساد والطائفية لكن لا تزيحها، وهذا ما سيصيب العراقيين بخيبة أمل جديدة. إن ثورة الخاسرين التي تحصل اليوم على هامش نتائج الانتخابات هي ليست ثورة جياع الخبز والأمن والأمان وإعادة الحقوق وتحقيق العدل والمساواة، أو إنها ثورة ضد الطائفية، بل هي ثورة ضد خيار الشعب في إزاحة رموز الفساد والفشل.

عن/العرب اللندنية

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

ايران تجدد الطائفية السياسية في العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق أثار التحالف بين سائرون والفتح الذي أعلنه الصدر وهادي العامري الكثير من الجدل والاستغراب ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com