الأحد , أغسطس 19 2018
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / حينما تكون الخيانة لعبة سياسية/بقلم/د.ماجد السامرائي

حينما تكون الخيانة لعبة سياسية/بقلم/د.ماجد السامرائي

الخيانة حالة من الحالات الشاذة المعوقة والمدمرة للتواصل الإنساني، تنشأ من خيانة العلاقة بين شريكين في الحياة لتشمل العلاقات الجماعية، عُرفت منذ بداية الخليقة وكانت من أهم أسباب الحروب والصراعات القبلية وتهديم الدول. والخونة أفراد يخرجون على ملتهم ويتعاونون سِرًّا مع الأعداء ويصبحون عملاء لهم لقاء مال أو جاه أو منصب، لكن دائما ما تكون نهايتهم مفجعة. الخونة يبررون خيانتهم وقد يتحولون إلى جبهتهم الأخرى. الخائن حين يتعايش مع عالمه الجديد يبرر تصرفاته ويعتقد بأنه وصل إلى مرحلة من الشجاعة بعد أن حطم القيم الأصلية واستهان بها.

وقد حفل التاريخ بنماذج لخونة مؤمنين بالخيانة كمبدأ أسمى من سلاطين وخلفاء وملوك وأمراء وفقهاء وعلماء، ورجال كنيسة ووزراء وجنرالات ومارشالات ومثقفين ومفكرين، يشترك كل هؤلاء في شيء واحد وهو فن خداع النفس، وشهد تاريخ الدولة الإسلامية الخيانة الكبرى لابن العلقمي، وفي التاريخ الحديث عرف خائن روما الأشهر بريتوس الذي أباح إراقة دم يوليوس قيصر إمبراطور روما بدعوى إنقاذ جمهورية الإمبراطورية، معتقدا حسب قولته الشهيرة “لا بد من قتل يوليوس قيصر من أجل الحفاظ على روما الخالدة”، أو مثال الجنرال الفرنسي فيليب لافال الذي أقحم فرنسا في عفن العمالة لصالح الألمان بدعوى مكافحة البلشفية اللينينية والشيوعية، رافضا الإقرار بالعمالة والخيانة أمام القضاة أثناء محاكمته في أكتوبر عام 1945 وواجه مصير الإعدام وهو فخور بقيامه بواجبه نحو بلده ونحو الإنسانية.

الخائن يشعر بأنه يقوم بالعمل الصحيح. في أحد أيام المعارضة العراقية تناقشت مع معارض عسكري عراقي كان في موقع رفيع في الجيش العراقي، قبل العام 2003، عن أسباب تقديمه معلومات عسكرية خاصة بالعراق إلى الأعداء أدت إلى عمليات قصف جوي أميركي عام 1998 لمواقع في بغداد خلفت ضحايا من المدنيين، ومن بينهم الفنانة العراقية ليلى العطار، فبرر ذلك بأنه جزء من نضاله ضد النظام وكان تبريرا كاذبا. والحقيقة هي أن ما قدمه من معلومات عسكرية خطيرة كانت مقابل أجر مالي قبضه. لا مكانة لدى الخونة للمقاييس المعروفة بالقيم الوطنية والأخلاق، بل يسخرون ممن يتعاطاها أو يدعو إلى التشبث بها. الخيانة تؤدي بصاحبها إلى الغدر بالملة والعشيرة والوطن، وفنونها تتلون حسب الظروف وحين يصبح هؤلاء في السلطة لا ينفصل عِرْق الخيانة عن رؤوسهم حين تلتحم مع نهمهم للمال والجاه على حساب الشعب. وتنتشر بينهم حالة التنافس غير الشريف والصراع والانقلاب على رفاق الأمس.

عالم الخيانة يتجدد، تجسدت الخيانة الكبرى في العراق بتسهيل مهمة المحتلين (أميركا وبريطانيا) والدفاع عن حالة الاحتلال دون أي اعتبار وطني تعاملت به شعوب الإنسانية جمعاء. الخونة والغادرون من بين العراقيين ابتهجوا بالمحتل إلى درجة أنهم أرادوا جعل يوم سقوط بغداد في التاسع من أبريل 2003 يوم عيد وطني للعراق. الخائن اليوم ليس بالضرورة من يتهم بأنه يسرب معلومات سرية تتعلق بالوطن، لأن الغرباء الذين أسسوا النظام الحالي هم الذين وضعوا قواعد تلك الأسرار ولا زالت مفاتيحها بين أيديهم. خائن اليوم هو من يفرّط في الأرض ويقبل باستباحتها من الأجنبي الطامع ولا يجد من يردعه أو يعاقبه أمام الشعب، وعلى سبيل المثال لم يتم الإعلان إلى حد اليوم عن أسباب هزيمة ثلاث فرق عسكرية أمام مئات من عصابات تنظيم داعش الإرهـابي في الـموصل في يونيو 2014، ولا عن حجم الأموال المنهوبة من خزائن البلد. الخـائن في العراق اليوم هو الذي يغدر بناخبيه وجمهوره وهو المنشغل بتضخيم أمواله ومظاهر حركته بين زملائه.

الخيانة الكبرى تجسدت في العراق بتسهيل مهمة المحتلين (أميركا وبريطانيا) والدفاع عن حالة الاحتلال دون أي اعتبار وطني تعاملت به شعوب الإنسانية جمعاء

قبل أيام ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقابلة تلفزيونية أجرتها إحدى القنوات العراقية التي تبث من خارج العراق لعضو في البـرلمان النرويجي من أصل عـراقي اسمها زينب السامرائي، والدها كان معارضا لصدام حسين وأصبح لاجئا في النرويج. ابنته هذه هي أول برلمانية من أصل عراقي تحدثت عن يوميات عملها في البـرلمان، وكيف أنها تعيش في شقة متواضعة بمساحة خمسين مترا مربعا وتأتي لمقر البرلمان في المواصلات العمومية لأنها لا تملك سيارة، وتتقاضى راتباً متواضعا، وتعتز بذلك لأنها تخدم جمهورها، ويقارن مقدم البرنامج بينها وبين البرلماني العراقي الذي يتنقل بسيـارة مصفحة وحماية كبيرة وينشغل في يومه بترتيب الصفقات المالية. ألا يمكن اعتبار هذا البرلماني واحدا من خونة الأمانة الذين يغطون مشاريع خيانة الشعب بفسيفساء الديمقراطية وبازار الانتخابات الذي وفر لهم الحماية المطلوبة لمواصلة مشاريع النهب والسرقة، حيث تم بناء معمار سياسي طائفي رث له عناوين لا صلة لها بهموم الناس وحاجاتهم، وتقام له المهرجانات المتجددة كل أربع سنوات.

داخل بيت الخيانة وعلى موائده المتعددة تعقد حوارات ترتيب الإخراج بشرط عدم المساس بأصل الصفقة التي تحافظ على الرؤوس الكبيرة المديرة لجميع العمليات الرئيسية، للحفاظ على السلطة وإدارتها التي يتوجب عدم خروجها من المركز المدير لها، ولا مانع من تجديد بعض الوجوه الثانوية التي لا تدخل بيت أسرار الخيانة الكبرى الذي له أبوابه المدججة بأنواع الأسلحة والحراس المأجورين ومن بينها سلاح الإعلام، فيظهر على الشاشات الصغار المتقنون لفنون التمويه والخداع باسـم المكوّن أو العشيرة، وإن تطلب الأمر نبذ الطائفية وتقريعها واستبدالها بعناوين براقة مثل عبور الطائفية أو إعلانات محاربة الفساد.

أما من يكونون خارج بيت الخيانة فهم مهمشون ومشاريعهم مهملة، وقد يتطلب الأمر إذا ما أصبحوا قريبين من الخط الخطر على مصالح “الصفقة” مهاجمة تلك المشاريع النظيفة وأصحابها بأنواع متعددة من الأسلحة وهي كثيرة، ليتم تنظيف الساحة منهم. في موسم الترويج للاجتياح لا يسمح للمعارضين بأن يكون لهم مكان في جميع وسائل الإعلام الممولة من أصحاب البيت الكبير. مسموح الاستغراق في تفصيلات اللعبة السياسية سواء في ترتيبات الكيانات السياسية وعناوينها وأحجامها أو في شكل الواجهة الانتخابية. فهذه تفصيلات لا تصل إلى محيط ذلك البيت الكبير، ولكن غير مسموح المطالبة بفضح الرؤوس الكبيرة السارقة لأموال الشعب، لأن ذلك سيؤثر على سلسلة المراجع الحزبية والرسمية وقد يطيح بأحدها وتنفرط السلسلة أمام الشعب المظلوم.

الدستور العراقي حدد قسم المنصب بالتالي “أقسم بالله العلي العظيم أن أؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية بتفان وإخلاص وأن أحافظ على استقلال العراق وسيادته، وأرعى مصالح شعبه وأسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي، وأن أعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة واستقلال القضاء، وألتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد، والله على ما أقول شهيد”. لكن هذا الدستور لم يشر إلى أن من يسرق أموال الشعب والخزينة حانث لذلك الدستور وخائن لتلك الأمانة، فالسارق وفق الدستور ليس خائنا للأمانة، ويتساءل المواطن لماذا الإصرار على بقاء هذا الدستور المفرق؟ أليس لأنه لم يمس مصالح الشركة العمومية للسلطة وأصحابها رغم أنه يمس مصالح أبناء العراق وحقوقهم الأساسية المهدورة في ثروة العراق وحرية السكن والتنقل على امتداد أرض العراق؟

لا يفاجئ بعض المتنفذين بصفتهم الجديدة، خونة الأمانة، فهي صفة تتناسب مع أفعالهم على مدى أربعة عشر عاما، وهم مفتونون بتلك الأفعال ويتوهمون أنها صحيحة. الخيـانة أصبحت حالة تخدم اللعبة السياسية في العراق وهي لعبة رخيصة لن تـزاح من المشهد إلا بتغيير قـواعد النظام السياسي، ليتبين الخيط الأبيض من الأسود بين المخلصين لأنفسهم وعوائلهم وعشائرهم ووطنهم، وبين الخونة الغادرين.

عن العرب اللندنية /30-1-2018

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

ايران تجدد الطائفية السياسية في العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق أثار التحالف بين سائرون والفتح الذي أعلنه الصدر وهادي العامري الكثير من الجدل والاستغراب ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com