الخميس , سبتمبر 20 2018
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / خلطة العطار لن تشفي أهل العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

خلطة العطار لن تشفي أهل العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

ما يحصل في العراق لا مثيل له في جميع أمم الدنيا، فلا تتم فيه الانتخابات وفق قانون انتخابي يحرّم الطائفية وأحزابها، ويجعل التنافس على أساس الإنجاز وليس على أساس أغلبية عددية طائفية تحصر رئاسة الحكومة بأحزاب تدعي تمثيل الطائفة الشيعية رغم الشواهد المتراكمة لإذلالهم لأبنائها. بل وصل الأمر إلى إدخال المرجعية الشيعية كعنصر مركزي في تحديد شخص رئيس الوزراء، ولهذا خرج واحد من الشخصيات الشيعية على إحدى الفضائيات مؤكدا من مصادره الخاصة بأن ممثّل المرجعية حضر إلى بغداد قبل أيام وأبلغ كلا من حيدر العبادي وهادي العامري وطارق نجم وفالح الفياض بعدم ترشحهم لأن المرجعية تريد شخصا مستقلا نزيهاً. مع ذلك لا تغيرا كبيرا في الظواهر المرافقة للعملية السياسية ومن بينها الانتخابات في العراق، فهي متشابهة في سياقاتها بالتزوير والتأخير في النتائج وصفقات المحاصصة، أو في اختيار منصب رئيس الوزراء الذي يبدو أن ترشيحه وفق الأغلبية الطائفية أصبح أمرا مقدسا لا يمكن المساس به.ولعل المتغيّر الجدي لانتخابات هذا العام هو اهتزاز منضدة التوافق الإيراني – الأميركي بعد مجيء الرئيس دونالد ترامب ذي المفاجآت الغريبة في التعاطي مع عالم خارج الولايات المتحدة الأميركية وبشكل خاص مع إيران التي سبق وأن اتفقوا معها في تقاسم أدوار مريبة في العراق للسنوات الخمس عشرة الماضية.مسرح الحوارات التي يجريها كل من قاسم سليماني وبريت ماكغورك يبدو هذه الأيام ذا نكهة خاصة ومن المحتمل إنجاز خلطة “العطار” الإيراني حسب وصف مقتدى الصدر في تغريدته على تويتر السبت الماضي رافضاً لها ولبقية مرفقاتها قائلا “لن نعود للمربع الأول، ولا عودة للمحاصصة. ونرفض عودة الهيئات الاقتصادية للأحزاب التي تجلب الفساد معها”. وأوضح الصدر أنه سيسلك طريق المعارضة في مجلس النواب، في حال تشكّلت الحكومة المقبلة وفق خلطة العطار، ويقصد قاسم سليماني، مبيناً أنه يرغب في تشكيل حكومة ذات قرار عراقي تخدم المواطن عبر وزارات مستقلة، ويبدو إن الصدر يجيد توصيفات ذات “حسكة” شعبية كما يقول أهل جنوب العراق.المندوبان الأميركي والإيراني لا يخجلان من هذا التدخل السافر بشؤون دولة مستقلة لأنهما يلقيان ترحيباً وسعادة بل رجاء للتواصل من ممثلي الكتل السياسة العراقية الفائزة في الانتخابات، شيعيّة وسنيّة وكرديّة، ولكن الفرق الشكلي بين الأميركي والإيراني هو أن الأول يجري لقاءاته بصورة علنية أما الثاني فلقاءاته سرّية. وحين روّجت وسائل الإعلام العراقية الحزبية بحصول لقاء بين هادي العامري وبريت ماكغورك مبعوث الرئيس الأميركي وأن العامري قد وبّخه وأنذر أميركا بعدم التدخل بالشأن العراقي، سارع ممثل الرئيس الأميركي إلى نفي حصول اللقاء المذكور.ما يحصل حاليا هو شكل من أشكال التردي في التعاطي السياسي، وبسبب تضارب المصالح تتم عمليات التسقيط، فيتهمون بعضهم البعض بالعمالة للأميركان وكأنهم جميعهم لم ينصبهم الأميركان في الحكم. ولعل العبادي فقد مكانته في حزب الدعوة بعد وصول معركته مع الحزب إلى درجة التخوين، بل فقد رصيده المحتمل لدى أوساط الأحزاب الشيعيّة الأخرى خصوصا لدى الميليشيات والحشد الشعبي.

فريق إيران يحارب فريق أميركا داخل البيت الشيعي بكل الأسلحة إلى درجة التلويح بإسقاط الحكومة إن لم تكن من الفريق الإيراني، ويقصد بها حكومة بقيادة العبادي رغم أنه لم يتم ترشيحه لحد الآن من قبل الكتلة الرباعية (سائرون والحكمة والنصر والوطنية)، وردّ العبادي بالأسلحة التي يحتفظ بها في أدراج مكتبه وهي كثيرة، فأشهر جزءا يسيرا منها ما يتعلق بأحد أعضاء قائمته المتمرد عليه (فالح الفياض) حيث تم الكشف عن ملفات فساد داخل هيئة الحشد الشعبي التي يرأسها ووجود 11 ألف فرد من عشيرته قد وظفهم في الأجهزة الأمنية التي يديرها، إضافة إلى مخالفات مالية هائلة حسب الوثائق التي خرجت من مكتب رئيس الوزراء لعرقلة احتمالات ترشيح الفياض.مع ذلك كله فاللعبة تسير في خط يبدو ليس خطيرا لأنه سيوصل في النهاية إلى وضع الشراب الممزوج بخلطته الخاصة من “العطار” الإيراني و”الجنتلمان” الأميركي في كأس رئيس الوزراء المقبل غير المحظوظ لأنه سيحمل على كتفيه أوزار أثقال ما سيواجهه العراق من مخاطر صعبة في الأيام المقبلة، وفي قدرته على إدارة أزمة وقوعه كساحة محتملة للصراع الأميركي الإيراني المقبل وهو احتمال جدّي وليس صراعا إعلاميا كما يتصوّر البعض، ويبدو أنّ لعبة القوة الناعمة بواسطة النفوذ المزدوج على السياسيين العراقيين ورئيس الحكومة ستتوقف الآن.هناك سيناريوهات يتم تسريبها عن احتمالات الصدام المسلح، وتقرير وكالة رويترز لم يخرج بالصدفة حول زرع صواريخ باليستية إيرانية في العراق وبيد الميليشيات الموالية لها، يرافقها تصريحات رئيس كتلة فتح، هادي العامري، المهدّدة بإسقاط أيّ حكومة مقبلة قد تبتعد ولو قليلا عن طهران، والتهديدات الإيرانية بغلق مضيق هرمز، فهذا يعني أن هناك استحضارات لوجستية أكثر منها حربا إعلامية.وفي هذا السياق تحدث في إحدى القنوات الأميركية المحلل العسكري الأميركي بوب هامرايت وهو قريب من مراكز القرار العسكري الأميركي قائلا “إن الوضع في الشرق الأوسط والخليج وإيران معقد جدا وأن الولايات المتحدة ستعمل على منع إغلاق ممر مضيق هرمز وباب المندب لتأمين الملاحة البحرية إذا قامت إيران بإغلاق المضيق ومنعت السفن من عبور ممر الخليج الذي هو شريان حيوي للاقتصاد الدولي ويشكل حوالي 20 في المئة إلى 30 في المئة من تجارة العالم. إن هذه الحرب لا بد منها والولايات المتحدة لن تغرق في أيّ حرب في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل ستترك الأمر إلى الجيش الإسرائيلي الذي بات عنده من الأسلحة الأميركية والتدريبات والتقنيات التكنولوجية ما يكفيه لإدارة حرب بالصواريخ والطائرات والغواصات والغارات الجوية من الطائرات الحديثة، وبالتالي ترى الولايات المتحدة أن ذلك سيؤدي إلى انهيار إيران وإلى إسكات حزب الله في لبنان بعد ضربات عسكرية كثيرة تنهي الوضع المتوتر منذ 20 سنة في محور الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وأن روسيا لن تتدخل في هذه الحرب ولا الصين، وواشنطن تعرف ذلك”.وانسجاما مع هذه السيناريوهات المخيفة التي تتربص بالعراق قبل إيران، فإن القوة التسليحية الأميركية لا يمكن لطهران مواجهتها بتهديدها للقوات الأميركية المتواجدة في العراق عن طريق الميليشيات التابعة لها، فملامح القدرة الأميركية ليست عسكرية فقط، بل إن للولايات المتحدة مصادر نفوذ مختلفة في العراق، فهي على سبيل المثال من تولى تدريب أعداد كبيرة من القوات العراقية سواء في الجيش أو الشرطة، ويمكن توقع أن تنشأ خلال ذلك فرصة للأميركيين من أجل تشكيل قدر مهم من التأثير وكسب الولاءات على مستوى القيادات العليا والوسطى في الجيش العراقي.العراق وشعبه هو الضحية للسيناريوهات الجهنمية إذا ما حصلت. فليست وحدها “ليلى” المريضة في العراق، إنها حسنة وعائشة وفاطمة وكوثر، وليس وحده “قيس بن الملّوح” يتمنى أن يكون طبيبها، إنه محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب ومظفّر النواب، وإذا ما صدرت “راشيتة” خلطة العطار الإيراني، فلن تكون سببا في شفاء أهل العراق وإنما في وضعهم على طريق الهلاك.

عن/جريدة العرب اللندنية

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

حرب الشرق الأوسط الكبرى عام 2019/الرائد نداف/الجيش الاسرائيلي

المشرق أثارت التوترات المتزايدة على الحدود الشمالية لإسرائيل مخاوف بشأن مواجهة أخرى بين إسرائيل و ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com