الجمعة , ديسمبر 15 2017
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / هل تتحقق المعجزة السياسية في العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

هل تتحقق المعجزة السياسية في العراق/بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

لا يتوقع أحد أن تحدث المعجزة في العراق وتتبدل معايير وقواعد العملية السياسية وتنتقل من الطائفي المذهبي العشائري المناطقي إلى المدني المواطني، رغم جميع مظاهر الخراب الشامل في الحياة السياسية والاقتصادية والإنسانية وتهديم البنية التحتية للدولة، ورغم الفساد الذي تورط فيه جمع كبير من الساسة وحواريو الحكام الذين حموهم إلى جانب حماية قوة السلاح وشيوع قاعدة التغطية المتقابلة بين جميع مشاركي العملية السياسية بدون استثناء.

بل إن الرؤوس الكبيرة تحدّت أكثر من مرة الذين يحاولون التحرش بهذا البيت الذي خرّج أفواجا من الجهلة والحاقدين وزعماء عصابات القتل وإمارات النهب الذين يتقاسمون بغداد خارج سلطة القانون. وحين حدثت ردود الفعل الشعبية الغاضبة في تظاهرات عامي 2013 و2014 في بغداد وطالبت بضرب الفساد والفاسدين انتهت إثر حملة من الاتهامات والتخوينات ضد محركيها من الناشطين المدنيين. ولم تؤثر في السياسيين الأرقام المذهلة حول معاناة الناس التي يتم تداولها في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث هناك أكثر من ثلاثة ملايين أرملة وخمسة ملايين يتيم وثلاثة ملايين نازح بأقسى ظروف الحياة، وهناك آلاف من النساء العراقيات تحولن إلى ضحايا العنف والقهر الاجتماعي والسياسي من خلال بيعهن في أسواق عبودية الجنس التي تنشط داخل العراق وخارجه لتهريب نساء وبنات لا يتجاوزن أحياناً 12 عاما، ولم تتمكن المحاولات الخجولة من بعض منظمات المجتمع المدني المدعومة من المنظمات العالمية من تحقيق خطوة على طريق تخفيف المعاناة العامة للمرأة والطفولة في العراق التي بحاجة إلى حملة وطنية كبرى.

ولو حصل جزء من الألف من هذه الأرقام في بلد آخر قرين للعراق لانهارت جدران النظام السياسي وحكومته ولتحول مسؤولوها إلى متهمين في قفص القضاء العادل.

لقد ساد طغيان الأحزاب والكتل السياسية وارتبطت هيمنتها بالدخول في التجارة واحتكار مفاصلها المغرية، وقصة اللجان الاقتصادية بتلك الأحزاب أصبحت معروفة في جمع المال السياسي من صفقات عقود النهب لتصبح الأداة الفاعلة لربح الانتخابات، وهيمن الفساد على الحلقات العليا للمؤسسات الحكومية وبغطاء الأحزاب وحمايتها، وليس غريباً انتقاله إلى المؤسسات الدنيا إلى جانب آفة الرشوة التي خربت جميع العاملين في مرافق الحكومة الخدمية والضحايا هم المواطنون الذين وصلوا إلى حالة من اليأس التام، وأخذوا يتندرون عبر شبكة التواصل الاجتماعي حول الشعارات الجديدة بمحاربة الفساد بأنها لا تعدو كونها مقدمات للتسويق السياسي قبل البدء الفعلي للشوط الانتخابي القادم.

وفي ظل حالة اليأس العام والضغط الاقتصادي والمعيشي للناس وعدم وجود أفق واضح للتغيير يتم هذه الأيام بناء خطة تتقاسمها الكتل الشيعية والسنية لتمرير مشروعية منهج النظام السياسي القائم دون أن يتم التحرش بأي من عناصره، والاستمرار بآفة المحاصصة الطائفية في الشراكة الشكلية لسلطة الحكم. كما أن الأحزاب الكبيرة تتصرف الآن على أساس أنها باقية وواثقة بعدم وجود قوة سياسية عابرة للطائفية يمكن أن تزاحمها رغم قلقها من حالتي مقتدى الصدر وحيدر العبادي، إضافة إلى استغلال تلك الأحزاب لتردد وغموض المشروع الأميركي وتحالفاته بالمنطقة والذي قد يستغرق وقتاً عابراً لوقت الانتخابات العراقية المقبلة، إضافة إلى ارتياح تلك الأحزاب والكيانات بأن نهب المال العام ما زال يوفر لها الاطمئنان إلى جانب الأذرع العسكرية والميليشياوية الداعمة، ولا يهمها وجود رضا شعبي عام من عدمه.

فالجمهور الخاص موجود ووسائل الإعلام متوفرة من قنوات فضائية وصحف وإذاعات وشبكات ومواقع تواصل اجتماعي، وقادة تلك الأحزاب غير قلقين من أميركا لأنهم يعلمون أنها لا تتدخل بالتفصيلات اليومية للشؤون الداخلية، وقد تتدخل في الحلقات النهائية لصناعة الحاكم. علماً بأن طغيان تلك الأحزاب وغرورها لا تنفعه مظاهر التأييد العاطفي المؤقت وسط التخلي الكامل عن مطالب الناس، وأصبحت فضائح الفساد الكبرى والصغرى للمسؤولين الحكوميين في بغداد والمحافظات يتم تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمظاهرات الأخيرة في محافظة الناصرية ضد المحافظ ومجموعة المسؤولين مثال بسيط على حالة الغليان الشعبي.

هناك بطالة وتدنّ واستقطاعات لرواتب الموظفين، في ظل الغلاء الفاحش للأسعار والتخبط الحكومي أمام استحقاقات المواطنين وحقوقهم المدنية.

لا يتوقع أحد أن تحدث المعجزة في العراق وتتبدل معايير وقواعد العملية السياسية وتنتقل من الطائفي المذهبي العشائري المناطقي إلى المدني المواطني

وعلى سبيل المثال هناك قطاع واسع من شباب المحافظات الوسطى والجنوبية تطوعوا في صفوف الحشد الشعبي لمقاتلة داعش وهو واجب وطني مقدس، ولكن ماذا نفعل بالرواتب الممنوحة للمقاتلين من خريجي الجامعات كالمهندسين والأطباء وخريجي الكليات الأخرى، إذا ما انتهت مهمة الحرب على داعش والتي قد تنفع العاطلين من الذين لا يمتلكون التحصيل العلمي وقد أصبحوا الغالبية في العراق. وماذا ستقدم حالة التجييش للشاب العراقي الباحث عن الحياة المدنية المستقرة حاله حال أقرانه في المنطقة، ولماذا يُفرض عليه التماشي مع حالة غيره من بلدان لديها أهداف خارج حدود الوطن ولماذا لا يقارن العراقي بحالة أبناء الإمارات مثلا؟

لدى الأحزاب الكبيرة حالة اعتداد مظهري بالولاء لا علاقة لها بمكانتها الحقيقية عند الشعب العراقي بعد تخليها عن حقوقه الأساسية. لكن حالياً هناك تطور مهم يعطي بعض الإشارات الإيجابية لدى بعض القوى العراقية إذا ما استندت على وضوح تام بالتخلي التدريجي عن المنهج الطائفي وأحكامه، يتمثل بتنامي القوة السياسية الشعبية لتيار مقتدى الصدر باتجاه وطني عابر للطائفية، إلى جانب ما يمكن أن يبنيه رئيس الوزراء الحالي العبادي عبر إجراءات عملية بخصوص القضاء على إمبراطورية الفساد وزعاماتها، لأن السلطة بيده وليست شعارات أو وعودا، ولديه الفرصة لكسب جمهور واسع من الشارع العراقي رغم صعوبة هذه المهمة عليه من زاوية أن ما يمتلكه من جمهور سابق ليس ملكه وإنما ملك حزب الدعوة الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ولا يستطيع خلق حالة الجمهور الجديد المتميز إلا بخروجه التنظيمي من هذا الحزب. وهذه الخطوة ليست عيبا في منظور العمل السياسي، فقبله خرج إبراهيم الجعفري من نفس الحزب وشكل تيارا باسم الإصلاح ومعه فالح الفياض الذي انشق عنه أخيراً وشكل حركة باسمه.

إن خطوة العبادي المنتظرة قد تخدمه ليرفع عن كتفه ثقل الفشل والفساد لإثني عشر عاما مضت في ظل حكم حزب الدعوة، ولكي لا تصادر القيادات التقليدية لهذا الحزب مكاسبه الشخصية في الانتصار على داعش ودعواته في الحرب على الفساد.

أعتقد ومعي كثيرون بأن نظرية التغيير الشامل والجذري للعملية السياسية لا تتم بالضربة القاضية عبر الانقلاب العسكري أو التدخل الخارجي أو الدعوات الإعلامية المتطرفة، بل بإمكانيات إحداث تحول لدى زعامات من داخل البيت الشيعي الحاكم من الانغلاق الطائفي الذي أعطى نتائجه في الإضرار بحق الوطن وأهله إلى الأفق الوطني المنفتح. وهذا يتطلب من حيدر العبادي إن أراد لنفسه موقعاً مهماً لدى العراقيين أن يطبق خطوات التحول هذه، وألا يكون تركيزه على إعادة إنتاج شخصيات سياسية احترقت سواء من الشيعة أو من السنة.

وبسبب ما أفرزه واقع المحاصصة الطائفية، فإن الحقيقة الغائبة التي قد تقلب الطاولة على المعادلة الطائفية هي أن أبناء العرب السنة لم يعد يهمهم أن يكون الحاكم من الطائفة السنية أو الشيعية ولا يترددون بإعطاء أصواتهم للعبادي من دون وسيط منافق من زعاماتهم، إذا ما تأكد لهم خروجه من العباءة الحزبية الطائفية وأصبح منصفا لهم وعادلا في حقوقهم، وعليه ألا يراهن على الشارع الشيعي رغم أهميته لكونه مزدحما بتنافس حاد من رفاقه القدماء والجدد، وإنما على الشارع العراقي العريض، أما معادلته الجديدة إذا ما اختارها ففيها متطلبات آنية لا بد أن ينفذها اليوم وليس غداً، من أهمها:

– التعجيل بإعادة النازحين إلى ديارهم في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك ومن دون شروط مجحفة بمواطنة أهل الديار، والدخول بحملة إعادة الإعمار فعلياً وليس كشعار انتخابي، وهي النقطة التي تشتغل عليها إعلاميا الزعامات السنية التقليدية لأن إمكانيات التنفيذ ستكون بيد العبادي نفسه.

– الضرب بقوة وبإجراءات معلنة على الرؤوس الكبيرة للفساد وليست الصغيرة والثانوية وإيداعها السجن واسترداد الأموال العراقية المسروقة، وذلك عبر تفعيل الاتفاقية الدولية بشأن إجراء تحقيق شامل حول الأموال المنهوبة منذ عام 2004 وحتى 2014 والعمل على وضع الترتيبات الأمنية لحماية الوثائق الحكومية من الحرق المتعمد.

– القيام بإجراءات واضحة لحصر السلاح بيد الدولة ومنع المظاهر المسلحة في العاصمة العراقية بغداد.

– الابتعاد عن نظرية المراهنة على اللعبة التقليدية في التحالفات مع الكتل الكبيرة والتي احترقت ورقتها في الضفتين السياسيتين الشيعية والسنية، والشغل المنظم مع القوى السياسية الصغيرة والشخصيات الوطنية.

ويبقى السؤال: هل تتحقق المعجزة السياسية في العراق؟

عن /جريدة العرب اللندنية

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

بغداد وعدن.. قبل الحوثيين وبعدهم/بقلم/رشيد الخيون

المشرق تعود بنا الذَّاكرة إلى ما قبل الوحدة اليمنية (1990)، حيث وجود عدن وصنعاء كعاصمتين ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com