الخميس , سبتمبر 20 2018
aren
الرئيسية / آراء ومواقف / وهم الأبوة الإيرانية /بقلم/د.ماجد السامرائي

وهم الأبوة الإيرانية /بقلم/د.ماجد السامرائي

المشرق

يتعامل الإيرانيون، أتباع نظام ولاية الفقيه، مع العراقيين على أنهم أدنى درجة ومستوى منهم لأنهم عرب “أجلاف”. لهذا، دعا رئيس تحرير وكالة مهر الإيرانية العراقيين إلى “ترك العروبة المزيفة” وطلب منهم تغيير ملابسهم الدالة على تلك العروبة (الدشداشة والكوفي) لكي يتمكنوا من الاقتراب من مرتبة الإيرانيين.

مثل هذا التصريح يؤكد أنها ليست مبالغة ما صرح به الكثيرون من العراقيين الذين هاجروا إلى إيران في الظروف السياسية قبل عام 2003 حول سوء معاملتهم لكونهم عربا، فمثلا يحرمون من الكثير من الحقوق، كما يمنع التحدث باللغة العربية في الأماكن الإيرانية العامة.

والأخطر، أن طهران لم تكتف بالتضييق على العرب من العراقيين الذين لجأوا إليها، بل سعت إلى محاربة عروبة العراق في عقر داره. فبعد سنة 2003، شهدت المحافظات العراقية الجنوبية تدفقا هائلا للإيرانيين الذين هيمنوا على مختلف الفعاليات التجارية، عبر تشغيل معاونين لهم من بعض العراقيين من أصول إيرانية، وخاصة في محافظات النجف وكربلاء والبصرة. وبات من الملاحظ هيمنة اللغة الفارسية في التداول اليومي لتلك المناطق وسيطرة العملة الإيرانية (التومان)، قبل انهيارها مؤخرا.

قد تكون مثل هذه الظاهرة طبيعية بين بلدين جارين؛ رغم أن العراق جار لكل من الكويت والأردن والسعودية، لكن حين تصبح مقصودة لصالح تكريس إيران ونفوذها في العراق، تصبح ظاهرة شاذة وجبت محاربتها. ووصلت السيطرة الإيرانية إلى حد تعطيل ماكينة الإنتاج العراقي الصناعي والغذائي الزراعي مقابل فرض الإنتاج الإيراني على السوق.

ويروي أحد المعنيين بهذا الشأن مثالا صغيرا لهذه الحقيقة مشيرا إلى أن شخصيات إيرانية نافذة عطّلت مصنعا عراقيا لإنتاج معجون الطماطم، بعد تأسيس مصنع آخر، إيراني، على الحدود العراقية الجنوبية لإنتاج هذا النوع من المادة الغذائية التي غزت السوق العراقية.

ومثل ذلك يحصل في القطاع النفطي والطاقة، حيث أغلقت الأبواب أمام العراقيين لتأسيس معامل لإنتاج المرافق الثانوية لإنتاج الطاقة ومن بينها الطاقة الكهربائية، والأمر كذلك ينسحب على الهيمنة الإيرانية على الميادين الثقافية والتربوية والإعلامية حيث انتشرت آلاف المراكز والمعاهد المبشّرة لولاية الفقيه ومرجعية إيران مقابل تسطيح وتشويه مرجعية النجف والمرجعيات العربية الأخرى.

يحصل هذا لشعور النظام الإيراني بقدرته على التحكم في شؤون العراق، واستناده على ولاء الكثير من السياسيين العراقيين النافذين. وهذه الحصيلة هي التي دفعت المسؤولين الإيرانيين إلى التعبير عن عنجهيتهم في مناسبات عدة أمثلتها لا تحصى منها قول علي يونسي، مستشار الرئيس حسن روحاني، الذي جاء فيه أن “بغداد عاصمة إمبراطورية إيران”.

تملّك هؤلاء الحكامَ وبمختلف مراتبهم الرسمية شعورٌ أعمى بأنهم ولاّة وأساتذة السياسيين في بغداد الذين عليهم الطاعة وعدم التمرد. وأن تُحكَم السياسة الخارجية العراقية بما لا يتعارض ومصالح إيران في المنطقة، ومن يشذّ عن هذا الطريق يفقد رعاية ومحبة المرشد الأعلى.

لهذا هبّت عاصفة هوجاء من الحدود الشرقية وداخل العراق حين أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي موقف بلاده الرسمي من العقوبات التجارية الأخيرة على طهران منطلقا من مسؤولياته الرسمية وليس لكونه قائدا في حزب الدعوة.

كانت تصريحات العبادي متوازنة ولا يمكن لأي رئيس وزراء يحترم تلك المسؤوليات الوطنية أن يعلن غير هذا الموقف، حتى وصل الأمر ببعض المتشددين الإيرانيين إلى نشر مقالة في جريدة القدس الإيرانية يتوعدون فيها العبادي بملاقاته مصير صدام حسين بسبب موقفه غير المنحاز لإيران.

لم تحمل المقالة الحدود الدنيا من اللياقة الأخلاقية باحتوائها على عبارات متدنية من الشتم الشخصي للعبادي وافتقادها للحدود الدنيا من اعتبارات المهنة الصحافية. وكان الأجدر بجيش المستشارين المحيطين بالعبادي والمتمتعين بالامتيازات والرواتب العالية، وكذلك الحال بجريدة الصباح، المملوكة للحكومة أن يردّ أحدهم على هذا التطاول المشين على دولة العراق وشخص رئيس وزرائه، إلا إذا كانوا خائفين أو من باب الغباء والجهالة.

معروف معاني الرسالة الإيرانية للعبادي بأنهم قد أسقطوه في امتحان الولاية الثانية. وقد وصلته تلك الرسالة ولهذا ألغى زيارته المقررة لطهران تزامنا مع زيارته لتركيا الأسبوع الماضي.

وإذا كان بعض الموالين لطهران يبررون رفض سياسة العقوبات التجارية الأميركية بأنها عقوبات ضد الشعوب وليس الحكام، وهو تبرير منطقي، لكنهم يبتعدون عن ذكر مواقف طهران من العقوبات الأميركية ضد العراق حيث أيدت طهران قرار مجلس الأمن رقم 661 عام 1990 بفرض العقوبات الشاملة على العراق.

وصلت غطرسة طهران وشعورها بالفوقية والسلطة على السياسيين ببغداد إلى درجة لم يعد بإمكان عدد منهم تحملها حتى وإن لم يصرح بعضهم بذلك، أو يحاولون مجاراتها إعلاميا. مهما وصلت الولاية والوصاية من درجة في السلم العقائدي والفقهي التابع لولاية الفقيه، فإن السياسيين الشيعة، وخاصة الجيل الأول، مضت عليهم منهم خمسة عشر عاما في الحكم، وأصبحت لديهم الحدود الدنيا من اعتبارات الاعتداد السياسي والشخصي، وهم يواجهون ضغوط الشارع الشيعي العراقي الرافض للهيمنة الإيرانية، فلماذا يقبلون مجاراة طهران والانحياز لها في الباطل المخرّب لبلدهم العراق.

هل حانت ساعة انتفاضة السياسيين العراقيين ضد الولاية الأبوية الجائرة، ملامح ذلك بدأت حتى وإن كانت تحت بساط القش الذي ستنزعه العاصفة.

عن مركز المشرق

شاهد أيضاً

حرب الشرق الأوسط الكبرى عام 2019/الرائد نداف/الجيش الاسرائيلي

المشرق أثارت التوترات المتزايدة على الحدود الشمالية لإسرائيل مخاوف بشأن مواجهة أخرى بين إسرائيل و ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com